محمد بن علي الشوكاني
4819
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
قال : نعم إبطال أن العلة ما ذكر الجلال مع بيان أن العلة غيرها . . . إلخ . أقول : قد ذكرنا في تلك الرسالة ( 1 ) ما قيل : إنه العلة فليراجعه تلميذنا - عافاه الله - . قال : والفرق بين النقيصتين ضروري ، فإن الرجل يجد من نفسه عند أن تزني ابنته ما لا يجده عنده أن يزني ولده . أقول : سلمنا هذا فكان ماذا ؟ فإن الشارع لم يربط الحد بأبلغ ما يجده الإنسان من العار ، ولا قال بهذا قائل من المسلمين ، ولو كان الأمر كذلك لم يثبت حد القذف إلا لمن هو قاذف لمن كان أعلى الناس رتبة ، وأشرفهم نفسا ؛ لأن في الناس من لا يبالي إذا قذفت ابنته أو أخته ، أو يبالي مبالاة يسيرة ، بل قد يجد الرجل الرفيع بزنى أمته زيادة مما يجده هذا بزنى ابنته وأخته ، بل قد يجد الرجل الرفيع عالي الهمة للكلمة التي فيها أدنى انتقاص وأحقر شتم زيادة على ما يجده [ 3 ب ] من قذفت بالزنى ابنته . وقد تكون الكلمة التي يعدها الوضيع كمالا ومدحا عند الرفيع نقصا وهجاء ، فبالله دعونا من تقويم المعوج ، وإصلاح الفاسد ، فإن الكلام على كون هذا قذفا فيه من النقص ما هو أشد من غيره ، أو أخف من غيره ليس من الشرع في شيء ، ولا اعتبره أحد بل هو من ساقط المقال ، وزائف النظر ، والله يحب الإنصاف . قال : ولا يريد إلا أهل الجاهلية . . . إلخ . أقول : إن كان يريد بذلك أهل الجاهلية فما ينفعه ولا يضرنا ، فإنه جاء الشرع بأن الزنى نقيصة على الذكر والأنثى ، ومذمة بالغة ، وصار مما يتغاير به المسلمون ، وينتقصون فاعله ، فإذا كان أهل الجاهلية لا يتغايرون به ، أو لا يرونه نقصا فيما يفيد هذا من فائدة ! فإنا بصدد الكلام على الأحكام الشرعية ، لا على ذكر مآثر الجاهلية ، وما كانت عليه ، وما يحمد عندها ويذم ، فكيف قال تلميذنا - كثر الله فوائده - : فإنا لو سوغنا أن هذا الكلام قادح فيما نقل الجلال لسددنا باب رواية أخبار العرب ووقائعها وأشعارها
--> ( 1 ) الرسالة ( 154 ) .